السيد حيدر الآملي

551

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الغلط والشكّ سيّما العيون فإنّها في إدراكاتها ومرئيّاتها غير متيقّنة ، لأنّ الشّمس مثلا في جرمها ومقدارها زيادة على جرم الأرض ومقدارها بمرار متعددة وهي تشاهدها بمقدار القرص ولا يشعر بنفسها أنّها ليس كذلك ، لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ سورة الأنعام : 103 ] . وواللَّه لو كتب قوله عليه السّلام : « هو اللَّه الحقّ المبين أحقّ وأبين ممّا ترى العيون » . بماء الذهب على وجه النفوس والعقول وجعل عوذه لدفع عين شجرة الجهل ومردة الكفر لكان قليلا ، وبالجملة الجنّة الحقيقيّة المعنويّة ليست عند التحقيق إلَّا مشاهدة الحقّ بعين البصيرة في صورة هذه الشجرة المسمّاة بالوجود ، كما قال جلّ ذكره بعد قوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه ُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [ سورة فصّلت : 53 - 54 ] . لأنّ هذه المشاهدة لو كانت قابلة بأن يكون فوقها مشاهدة أخرى لم يقل بنفسه : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، ولم يؤكّد هذا لقوله : أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ، لأنّه يقول : أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ مع هذه المشاهدة الجليّة الَّتي ليست فوقها مشاهدة ، أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ أي ليس هو المحيط بكلّ شيء والمحيط بكلّ شيء كيف يمكن ( كمل ) مشاهدته إلَّا في كلّ شيء ، لأنّ الكلّ من حيث الكلّ لا يشاهد إلَّا في الكلّ . فالكلّ بالكلّ مربوط وليس له عنه انفصال خذوا ما قلته عنّي وفي مثل هذه المشاهدة قال العارف : ليس وراء عبادان قرية .